الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

الثورة تلد بلاغتها

"الثورة تلد بلاغتها"، هذه جملة استوقفتني، حين كنت أطالع مقالا في مجلة العربي الكويتية، فساءلت نفسي عن طبيعة هذه البلاغة الجديدة، التي نظّر لها النقاد قبل أن تقال، طبعا أعرف أن مفهوم النقاد مخالف لما يريده الكاتب، فمراد الكاتب أنّ الثورة أتت ببلاغة مناهضة لبلاغة النظام ... لحد الآن لا يهم هذا كثيرا، ولا يهم أن البلاغة الثورية كانت تحلق في جو غير الفصحى، بل لها زوايا العتمة والعامية والسطحية، والبريق الصوتي فقط.
لكن ما لاحظته، ولعلّ الملاحظ المدقق لاحظ ذلك، هو الولادة المصطلحية لكثير من الألفاظ الجديدة، وليس المراد هو افتراعها من غير سابق، ولكنها كانت موجودة في أوساط العرب، وكلّ ما في الأمر، أنها انتشرت، وتميّزت بها كل ثورة، وأكثر هذه المصطلحات هي وصف للآخر، غير الثورة، طبعا، كل القوم اتفقوا على أنهم ثورة، لأن وصف الحركة او الانقلاب بالثورة يعطيه شيئا من المصداقية، وحتى المشروعية التي ما هي إلا تثبيت لرؤية ما داخل الوعي الجمعي القومي أو الإقليمي، أو الأممي ...... ورغم كل ما قيل وما يقال وما قد يقال عن الثورات، فبراءة المصطلح تبقى ميزة من ميزها، إضافة إلى ميزة تسمية الجمع، حيث إنه صار ممكنا كتابة معجم للجمع العربية، ولنتركه مفتوحًا، لأنه واضح أنها ستكون كثيرة.
"البلطجية" و"الشبّيحة"، و"أزلام النظام"، و"الطابور الخامس"، و"الطاغوت"، بالإضافة إلى إعادة إحياء مصطلحات أو تنشيطها، وقد كانت في معاجم الأنظمة المثار عليها، ولعلّ نظرة سريعة على هذه المصطلحات. تعطينا فكرة، وملمحا أوليا عن طبيعة الثورة، هل هي ثورة فكرة، أم ثورة مصطلح؟
إن النتيجة التي خلصت لها، هي أنها ثورة لغوية فقط، كل ما في الأمر أن الثوم بسطوا نظامهم اللغوي الجديد، على النظام السابق، لم يتغير شيء سوى الصورة الصوتية كما يقول علماء الأصوات واللسانيات، أما الصورة الذهنية أو المفهوم، فلن يتغيّر، لأن اللغة تقوم نفسها على ثابت ومتحول، قد يتمدد المفهوم للفظ الواحد، وقد يتغير اللفظ للمفهوم، لكن اللغة لا تنسلخ من نفسها، والجميل فيها، وهو خطير كذلك، أنها تتحايل على نفسها وعلى مستعمليها لتوهمهم أنهم أتوا بمفاهيم جديدة، ولتحس من نفسها أنّها ما زالت صبية في قمة نشاطها، اللغة حين تعاني الركود لها حلين، إما أن تموت، أو تنتفض، وانتفاضتها تكون على أمرين، أو من خلال وجهين، إما أن تعيد إخراج دررها ومحاسنها للناس، وهذا نادر جدّا، أو أنها تعيد تلوين نفسها في صورة جديدة، ويبقى الجسد نفسه، وهكذا، ومن بين زينتها الجديدة، البلاغة التي تتوائم والزمن أو الحدث، ومن هذا القبيل كانت الثورات العربية، وستؤول نتائجها، إلى ذلك ... طبعا الأمر سيأخذ بعض الوقت، حتى نكتشف أن اللغة خدعتنا، أو قمنا بخداع أنفسنا لغويا، وإن دققنا القول نقول أننا خدعنا أنفسنا صوتيا/سمعيا.
هذا الخداع الصوتي/ السمعي، جعلني أذكر عنوان كتاب لرجل عربي ملحد، عنوانه كان في مكانه، أما المحتوى ففيه نظر، ذلك الرجل هو عبد الله القصيمي، وعنوان الكتاب:" العرب ظاهرة صوتية"، فما البلاغات الجديدة، والمصطلحات، والشعارات والتسامي، والإعلانات والإشهارت الثورية، والمواويل الثورانية، إلا أصوات، أصوات أخرى، ستصنّف بعد حين مع الأصوات الخامدة، أصوات الحكام، الذي ذهبوا مع بلاغاتهم ومصطلحاتهم، التقليدية، أو المعاصرة، والآن زمن المصطلحات الحداثية.
المصدر : http://3asq.blogspot.com/2011/06/blog-post_7654.html#ixzz1XgFpj5Ly

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عودة لبداية الصفحة