هل يمكنك الكتابة متحررا من نفسك، دون عاطفة ولا مشاعر عن أحداث ومواضيع تتغلغل في شعورنا وأحاسيسنا، شيء صعب وصعب جدًّا، وهكذا وجدتني في الأيام الأخيرة، ولعلّها أيامي الأخيرة، أكتب عن أحداث تؤثر فينا جميعا، لأنها تمسنا، تمس قيمنا وكرامتنا، وحتى حريتنا. لقد نبهني صديقي العجماوي إلى أني أكثر من التصريح وحتى المباشرة والتعيير في بعض الأمور، ولكن ماذا أفعل؟ فمن جهة أنا معه، فعلينا أن نكون أكثر تجريدا، لأن الهدف إيصال الفكرة، والأطروحة، والرؤية التي تطبع نظرنا، ومن جهة أخرى، نحن ملزمون بأن نتعالى عن الألفاظ العادية والجري وراء العاطفة حتى في الكتابة، لتكن العاطفة نقطة انطلاق، وليست هي التي تؤسس اللغة التي نتكلّمها أو نكتبها على أوراقنا وفي الصفحات التي نتشاركها مع الناس، ففي النهاية نحن مسؤولون عمّا نقول وعمّا نكتب، فهل نجحنا؟؟ الله أعلم.
في الأيام الأخير تأثرت جدا من المواقف التي اتخذها اتجاهنا المجلس الليبي، والتصريحات التي يرمينا بها إخواننا الثوار الذي هم في الجهة المقابلة من الخصومة، هي خصومة بين القذافي وقومه، وإن كان طاغية وظالما، وفيه ما فيه هو وبنيه، فلا دخل لنا في بيوت الناس، وحتى هذه الدول الغربية التي تدعي إرساء الديموقراطية مرت على أنهار الدماء وجسور الجثث في بلدانها، فكيف يمكنها أن تعطي الحياة للناس وهي تقوم على المقابر.
إن مقدار الغضب الذي اعتراني من وراء كل تلك التهم، التي ليس من ورائها شيء سوى الإساءة للجزائر، بنية حسنة أو بسوء نية، جعلني في بعض الأحيان أصاب بخيبة أمل في كل ما يحدث، صحيح أني لا أومن بجدوى المظاهرات ولا الثورات ولا الاحتجاجات ولا الاعتصامات، ولا أومن ببراءة الثورات العربية، ولا بنتائجها الباهرة كما يسمها أهلها ومنظروها، ولكن قلت في نفسي لعلّ فيها شيئا قد يجمع الأمة، لكن يا خيبتاه على ما أمّلت فيهم.
لا زال الأمر كما كان من قبل، وإنما استبدلت صور، وسقطت أرواح فقط، لا شيء تغيّر جذريّا، وما زال القول الفصل في كل ما حدث هو السلاح، السلاح بريد الموت أو مسقط النظم ومبقيها، فهل نظرنا للحظة إلى هذه الحقيقة، ليس الشعب هو من صنع الفارق، بل الجيش أو الرشاش، ليس صوت الشعب، بل صوت الطلقة وصمتها، فأين ذهبت كل تلك الحناجر التي بحت وجفت وتشوهت؟؟؟ ذهبت مهب الريح.
الشيء الوحيد الذي تأكد أن لدينا مجموعة مفكرجية، كانت تعيش في ريع الأنظمة أو في حماية الغرب، تعيش تتكلم كلمة أو كلمتين، تكتب في بطاقة التعريف عندها مفكر، أو معارض، ثم لا تجده يعرف عن حقيقة الشعب الذي ينتمي إليه سوى الاسم، وهناك من كان إقليميا يحب الظهور على الفضائيات بالملابس الرسمية الأنيقة. يقول ما يقول العامة، وهل المفكر يقول ما تقول العامة أم أنه يؤسس لمجتمع راقي، لأن من طبيعة العامة أن تفكر في أقرب شيء لها الأكل والشرب والمضاجع، ثم المال والثروة والمباهج، بأي طريقة كانت، وبأي وسيلة ممكنة، ولا يهمها أو يلج تفكيرها مجتمع راقي مؤسس على المعرفة وعلى العدل. العامة لا تفرق بين الاشتراكية والعلمانية والليبرالية والفاشية، ولا يهمها، كل من جاء تصفق له، وإنما الأمر على العالم، والمفكر والحكيم في تأسيس بنى تحتية صحيحة يقوم عليها البناء المجتمعي الراقي، لكن هيهات هيهات.....
الرؤية التي أحملها الآن عن نتائج الثورات أنها لن تأتي بالجديد، سوى الصور وقواميس الخطاب، المدحية والتخوينية لا شيء بعدها، ولن تكون إلا وريثة الأنظمة السابقة، في الوصاية والتسلط والتخوين، والاتهام، ستولد ديكتاتوريات أخرى، وربما استعمار آخر، لا شيء فيه جديد سوى الاسم، ربما سنحفظ أسماء جديد ما عدى معمر ومبارك وبشار وصالح .... لكن الشيء الأكيد أن الثروات لن توزع على الشعب، ولا المناصب العالية ستكون من نصيب الغلابة، ولا قول الشعب هو النافذ، لقد كان لآبائنا أصنام صدقوا أقوالها وههللوا لها، ونحن اليوم نبني أصنامنا لنركع عند أقدامها. عرب اليوم مثل العرب الجاهلية الأولى مهمتها الكلام ونحت الأصنام، كانت لهم الأشعار وهبل وإخوانه وأشباهه، واليوم لدينا المدونات والمواقع الاجتماعية ومبارك ومعمر ثم أسماء سنسميها بعد حين ...وسيأتي من يكفر بها ويجد له صنما آخر.
المصدر : http://3asq.blogspot.com/2011/06/blog-post_7654.html#ixzz1XgFpj5Ly