"لا تملك شيئًا" هكذا تجيب نفسك، وأنت تحاول بكل عمق وحمق سؤال نفسك عن هذا العالم، عن الحياة... قد يبدو الجواب مناقضًا للتساؤل، معاديا له، أو حتى مواز له. ولكن هو جوابك. إن سؤالك عن العالم هو محاولة الكشف عن سرّه، محاول اكتشافه. وحين تكتشفه تجد نفسك وسطه وأنك لا تملك شيئًا. إنك تكتشف نطاق وجودك في هذا العالم.. ماذا تجد فيه، وبماذا تساهم فيه، وماذا تملك منه. قد يقول البعض أنّه جواب سوداويّ، لتساؤل إشراقي، تنويري. وأقول لكم أن النور، أو حتى التنوير هو عملية كشف، والكشف تعرية، تجريد، والتجريد والتعرية تلحقك بدورك...لأنّك نقطة منه، طبعًا نقطة عدمية، أو هي أقرب إلى العدم. تجد نفسك أشبه شيء بالسراب، أو الوهم، أو حتى أسطورة من اللاشعور ... قد تملك ثيابًا، ومالا وجاهًا... لكن كلّ هذه الموجودات التي تملك ليس فيك. وإنما هي خارجة عنك، تملّكتها بالتواطيء وبالاتفاق، أنت لا تملكها على الحقيقة. اللغة وحدها هي التي تجعلك مالكًا لها، واللغة محض صوت يتلاشى مع الهواء فتتحايل على ذلك بالكتابة.....
شيء من الألم يعتصرك وأنت تقول هكذا جهالة، وشيء من الحزن يلوّن حياتك، سوى أن هناك بقعة من الفرح العابر تمرّ عليك، خلقتها فيك ارتعاشة الحقيقة، الحقيقة التي تصرخ فيك بعد صمت سرمدي. الحقيقة التي كتب على جبينها :" أنت لا تملك شيئًا". إنها تحطّم كل وهم بنيته، كل تزوير اعترى حياتك ... إنها ترميك رضيعًا جديدًا على هذه الأرض... ولادة جديدة لا تحتاج فيها إلى حبل سرّي تقطعه سوى الألم والحزن الذي يعتصرك مثل ليمونة.. وبعدها .. بعدها ستكون خلقًا آخر. لا تحتاج إلى أجنحة ولا إلى زعانف ولا أذرع أخرى ... إنها روحك التي تولد من جديد.. روحك التي دفنت في جسدك وتراكمت عليها السنون.. يتبعها الخطيئة والنسيان ... إنّك تنتفض من جديد، مع الإشراقة الجديدة، مع النجمة الجديدة، مع الروح الجديدة المتوقدة فيك... وكان يجب أن تجتاز ذلك الجسر، ذلك الصراط قبل الصراط... لا أدري ربما عليك أن تمرّ فوق كلّ هول مرتين... فهل ستتعض.. لا أستطيع أن أتنبأ بالنهاية... يكفيني التجدد.. يكفيني أن أنزع عن نفسي ذاك الصدأ كلّ مرة. يكفيني أن أعيد إيقاد النجم الذي قد يخبو بين الفينة والغفوة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق