السبت، 26 مارس 2011

سيد في القفص....


سيد في القفص....
لا أدري كيف أنهما توافقا وجلسا فوق ذلك الشباك، وكأنهما كانا على موعد مضروب، نزل الأول، وبعد برهة حاذاه الثاني، فسلّم عليه:
-" أهلا أيها الرفيق...."
-" مرحبًا يا بن العمّ..... كيف هي الأمور؟"
-" على أحسن حال ولله الحمد، قد جمعنا قوت اليوم، أنا والأطفال.... وقد أودعتهم الدار ليرتاحوا.... وقمتُ أتفسّح في هذا الرحب الفسيح.."
-" وأنا كذلك يا بن العمّ (قال ذلك بشيء من البلادة وكأنه معتاد على هكذا كلام)، وإني محبّ لهذه الحياة، وإن كانت تخفي لنا دائما في طيّات المكان والزمان عقبات وأخطارًا،...(وبشيء كالتفلسف الساذج) ولكن هذه هي الحياة، لا شيء يحدث بيسر وإلا لما وجدنا له طعما، واستلذّته ألسنتنا...."
-" أجل ... أجل يا ابن الكرام..."
الحقَّ أقول، لم يحملا أيّة سمة جمال او جاه وعظمة، لا شيء فيهما يثير النفس ويملك الألباب، لا الصوت ولا الهيئة، فهما كما يظهران لي بدويّان أعرابيان يلبسان جلابيب بنية داكنة، وأرجلهما عارية لا لحم عليها فكيف تذهب العقول إلى توهّم وجود شحم.... بل هو الجلد فوق العظم الدقيق، علمًا أن هذا الجلد أسود اللون كأنها أقدام الزنوج، وما هما من الزنوج ...لا ينتعلان شيئًا، وكيف يعقل أن يكون لهما نعال مع هذه الأقدام الغربة..... مستحيل هذا .... وزاد الأمر بشاعة هذه الأظافر الطويلة المقوّسة إلى الأسفل، المتّسخة، اللعنة ....
وهما وإن اختلفت أجسامهما من ناحية السمنة والنحافة، هما متشابهان، أعين مظلمة من طول السهر وكثر الأعمال، ووجوه لا تحمل أي شعور.. وأصدقكم القول... كلّ شيء فيهما ينفرك منهما، فقد تهمّ أحيانا، بل دائما لأن تضرب مثل هذه الأشكال بأي أداة وقعت عليها يدك... ولا عجب أن ترى الأطفال يرشقونهما وأمثالهما بالحجارة والعصي، ويخرّبون بيوتهم.
وقد تقولون يا سادتي إنها عنصرية.. لا يهمّ ذلك، وإني متأكد أنّ كثيرًا منكم يفعل نفس هذا الأمر مع هذه الأشكال، فلا حاجة لنا إذن أن ننافق بعضنا، وندعي العدل والإنسانية، فالحقد أبين من كلّ ضوء.
لا زال هذان الغريبان يتهامسان .... ويقلّبان بصرهما في كلّ اتجاه، كما يفعل الحذر... إنهما يخشيان شيئًا .... إنه العدو، فأعداؤهما كثر، ولكنّي أعتقد أنهما هنا بأمان نسبيًا، إلاّ إذا هممتُ بضربهما ... سوى أنه لا حاجة لي بذلك فقد تركت هذه الهوية .... ربّما تنسّكتُ وبتّ لا أوذي المخلوقات، أو لأنّي مشغول عنهما بما هو أهم منهما .... فليحمد الله أنّ] صرت كذلك وإلاّ لفصلت لحمهما عن عظامهما ... المناكير ... الحثالة.....
قال النحيل يستمع إلى السمينوهو يحدّثه عن الخطر الذي واجهه الأسبوع الماضي، الذي كاد يودي بحياته ويرمّل زوجته وييتّم صغاره، وقد نسب العيب لنفسه حين لم ينتبه إلى العدو الذي يترصده. حتّى صاح به النحيل وهو يشير إلى قفص في الدار ويقول:
-" انظر... انظر إلى ذلك الغريب هناك ... ما أغرب جثته هو وإن كان يشبهنا في طبيعة الخلق لكنّه مختلف عنّا أشدّ الاختلاف ".
فقال السمين في عجب :
-"رغم أنّي كنتُ أرى نفسي أضخم أهل القبيلة سمنة ... فلا أكاد أرى جثتي مع هذا المخلوق..."
-" بماذا تهذي ... جثتك هذه لا تسمن صغير قطّ؟"
واختلفا عليه ساعة من الزمن ودخلا من أجله عاصفة الثرثرة والفلسفة والتمنطق والتفيهق ... ولما آل جدالهما إلى باب موصد ، صاح أعقلهما وهو البخيل في أحسن الظروف التي تشبه هذه الظروف، بأن يذهبا إليه ويقتربا منه ليتأكدا حقيقته ... كلّ هذا بدافع الفضول، وطلب الغريب والجديد كما هي العادة. وهذا الفضول قد رفع قومًا إلى العلياء وهم قلّة، وأورد أقوامًا آخرين المهالك وهم الكثرة....
المصدر : http://3asq.blogspot.com/2011/06/blog-post_7654.html#ixzz1XgFpj5Ly

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عودة لبداية الصفحة