الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين أما بعد:
فلقد كان لي عظيم الشرف أن أجلس بين يديك أخي الكريم لأبث إليك بعض ما صلت إليه النظريات اللسانية في مجال البحث في اللغة، ذلك أن المرء إن لم يتماشى مع هذه النظريات ويطّلع على جديدها لن يعرف موقعه العلمي ولا مكانة تراثه الزاخر، ذلك أن اللغة هي ما ينتجه أهلها وما يسعون إلى اكتشافه فيها، وأن اللغة إن لم تجد من يسندها من الجماعة اللغوية، ضاعت وأصبحت مخطوطا في الرفوف أو نقشا في الكهوف، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا.
أخي الكريم إن الدرس اللغوي اليوم قد بلغ شأوا عظيما لم تشهده العصور السالفة إلا فيما ندر، وذلك للعلمنة التي يسير عليها والمناهج المؤطرة والتطبيقات التي تصدق النظرية أو ترفضها، وهذا لم يتأت للعلم الغربي بين ليلة وضحاها، بل كان نتاج تطورات ومراحل وأطروحات بعضها صمد وامتد وبعضها كان فكرة ومرّت كمسألة العائلات اللغوية التي طرحت بعد اكتشاف السنسكريتية، وما انجر عنها من دراسات مقارنة، سواء في الصوت أو الإفراد أو التراكيب.
على كل حال ما يهمنا من كل هذه النظريات اللسانية المطروحة في العالم اليوم هي التي انطلقت من أطروحة دي سوسير وما لحقه من تجلي البنيوية والنتائج الوصفية التي قدمتها للغات العالم.... وما نركز عليه بالخصوص هو الفكرة القديمة المتجددة على يد نعوم تشومسكي من مسألة النحو الكلي الذي يحكم كل لغات العالم، باعتبار أن اللغات تشترك في مجموعة من الخصائص التمييزية، من مثل أنها كلها مركبة وأنها كلها تقوم على الإسناد مهما تغايرت وتلونت واختلفت ظاهرا... وهذه الفكرة قديمة في طرحها من عهد مدرسة بور رويال وامتدت مع ديكارت وهامبولت إلى يومنا هذا حيث أعطاها تشومسكي الصبغة العلمية، وأسس لها الأطروحة الرياضية التي تحتضنها في مجموع الخصائص الكلية التي تشكل اللغات.
ولكن قبل ذلك علينا أن نتحدث عن موضوع العلم ألا وهو اللغة، ورغم أن كثيرا من الأطروحات اليوم تبعد الحديث في نشأة اللغة عن مجال خوضها وكلامها، إلا أن المسألة تحتاج إلى بحث، ونحن نوافق هؤلاء الرافضين للخوض في أصل اللغة على اعتبار أنه من المستحيلات لأننا لا نملك تاريخا ماديا عن اللغة، إلا أننا نحاول أن نستمد بعض البصيص مما تقدمه لنا الإنثروبولوجيا، وكذلك الدراسات المقارنة، ونحن نقرّ أيضا أن الحديث عن اللغة الأولى أمر مستحيل على عهدنا ولكن هذا لن يمنعنا في مواصلة البحث والتقصي حتى نصل... رغم أن بعضهم يسلم بأن اللغة ما هي إلا محض اتفاقية بين الجماعة اللغوية والبعض الآخر يسلم أنها محض توقيف من الله تعالى ولكن أين وجه الصواب في كل ذلك.... ذلك أن وهم الموضوعية يدفعنا إلا استبعاد عوامل أخرى تسمى ذاتية، ولكن هل هي حقا تعوق القول في اللغة؟ لا أعتقد لأنه علينا أن نعود للكتب المقدسة لأن فيها أجوبة كثيرة على بعض المعضلات الفكرية ومنها مسألة اللغة، ولكن لن يوافقنا على هذا الكثير من الباحثين على اعتبار أن هذا يتنافى مع العلمية العلمانية التي هي سائدة اليوم في مجال البحث العلمي، أي أننا ملزمون بقواعد البحث العلماني الذي يبعد عنه كل الأطروحات الدينية، ذلك أنها تتعارض مع المقدمات التي قام عليها العلم وازدهر في حضن المادة وأسبابها وقوانينها، ولكن العلم نفسه اليوم يعاني حيرة في فهم المادة التي اتخذها موضوعا للعلم وراهن عليها في أنها هي المصدر الوحيد للكشف.
ولكن نجد أنفسنا مضطرين أحيانا إلى التعسف في الاختيار.... فالباحث ينطلق أول ما ينطلق في البحث ، وفي أي موضوع من على أساس أرضية فكرية تؤسس خلفيته الفكرية أو المذهبية أو الدينية، وبالتالي فهو يسعى إلى إثبات صحة الطرح الفكري الذي يعتقده- على أن في لفظة الطرح بعض الحرج في القول- ولكن ما نريده أننا ننطلق من مجموعة مبادي نؤسس عليها رؤانا العلمية، وحتى الفيزياء نفسها تقوم على أساس أفكار إيديولوجيا تكتسي طابع العلمية والمعقولية، والانقياد للمنطق الذي ينظم القضايا، ولكن ما نراها اليوم في الفيزياء أنها تقف على مشارف تعقيدات في المادة تتجاوز أطروحات المنطق، والمطلع ولو يسيرا على بعض اكتشافات الفيزياء الكمية أو ميكانيكا الكم، التي تدرس الذرات المكونة للمادة يندهش كيف يتلاشى المنطق أمامها وأن كل أطروحاته تصبح مجرد خيلات عقل قاصر. وعليه فيجب علينا أن نعود للأقول التي تقدمها لنا الأديان خاصة السماوية منها لأنها وفي اعتقادنا تمدنا بغيبيات بعيدة أو يستحيل الوصول إليها وبالتالي فالرسالة الإلهية تصبح هي الرابط الوحيد بيننا وبين تلك الوقائع الأولى.
لكن قد يقول لنا قائل أن كثيرا من النصوص الدينية هي في طرحها تقوم على أساس العموم أو الغموض أو حتى التناقض (ولست أعني القرآن وإنما أنا أتكلم عن الكتب الموجودة بين أدي البشر).
قد يكون من الممتع لنا لو تكلمنا عن تبلبل اللغة كما يصفها كتاب الإنجيل أو العهد القديم، ولكن إيماننا بتحريف العهد يجعلنا في شك من الأمر، ولكن قد تعترض أني قبلت الأخذ بما في الكتب السماوية المعروفة في الأرض على أي حال كانت، فلنقبل إذن بأن اللغة كان منطلق الاختلاف فيها من عهد بابل لأن أهلها أرادوا أن يبنوا برجا ليصلوا به إلى السماء فبلبل الله ألسنتهم فاختلفوا فتفارقوا، ولكننا والأمر مشاهد اليوم نرى أن اختلاف اللغات ليس دليل شتات، ذلك أن الكثير من الشركات في العالم تقوم على صناعات عملاقة، حقيقة أنها تصطلح لغة ما للتواصل ولكنها قاصرة ومع هذا نجد أن العمال يتواصلون بدائيا في البناء والتعمير أو بواسطة إشارات صوتبصرية.... وهذه بعض العواصم العالمية التي تلم كل ألوان الطيف الممكنة والمستحيلة للغات العالم الآني، مثل لندن ولا نجد ذلك التفرقة التي يقرها لنا العهد القديم، وها أنا أجد في القرآن الكريم أن الله خلقنا شعوبا وقبائل للتعارف، فإن كانت اللغات دليل اختلاف وحاملا عليه، فكيف نتعارف، ومن هنا نصل إلى أن الاختلاف اللغوي دافع إلى التعارف الشعوبي بين سكنة الأرض، وحتى سكنة السماء والكواكب الأخرى إن وجدت حياة على غير الأرض.
إن الأمر في اللغة أعقد من أن يخضع للتبسيط، لأننا نحب التعقيد، ولأننا نعتقد ان التعقيد هو الذي يحكم العلم المادي والروحي وحتى الإجتماعي، ولكن علينا أن نؤمن أن كل تعقيد نتيجة عن التركيب وتابع له، لأن البنية الكبرى هي مجموع اندراج مجموع بنيات صغرى مكونة، وهكذا حتى نصل إلى التعقيد المادي والظواهري، ولهذا علينا أن ننطلق من أن العالم مجموع بنى بسيطة، وعلينا أن نقوم بتفكيك الظاهرة بإرجاعها إلى مستوياتها الدنيا حتى يتم لنا النظر إليها، ولكن هل يمكن تبسيط كل البنى المكونة للعالم إلى مجموع بنى صغيرة أولية بدائية؟ قد يكون الأمر مستحيلا ولكن التركيز والتدقيق على الجزئيات هو الذي من شأنه أن يعزل لنا البنى الصغيرة.... ومعرفة تكوين البنى الصغيرة وفهم حركتها هو الذي الذي يحدد لنا الحركة الكلية للبنى، ولنمثل لذك بسرب السردين، حيث أن هذا السمك لا نراه متحركا إلى ضمن سرب يضم الآلف من الأسماك، حتى لا نقول الملايين، وكلها تتحرك في انسيابية وفي نظام يحفظ عليها التحرك إلى الأمام وإلى الأعلى وإلى أحد الجهتين وهكذا... ولكن ألم نسأل أنفسنا ما يحرك السردين وفق هذا النظام؟ كيف يكون التوجيه والاتباع داخل السرب؟ إن الأمر بقدر ما هو محير للبيولجي ولدارس الكائنات البحرية محير للناظر المتأمل.... ولكن هذا لن يجعلنا نخضع لحالة الذهول السلبي، إذن ماذا علينا أن نصنع؟
للننطلق في دراسة السرب من فرد واحد ، حيث من خلال الملاحظة والتدقيق نستطيع الوقوف على السلم الترتيبي الذي يتعرشه هذه الفرد/العينة، وسنجد أنه في تحركه لن يتجاوز مجموعة معينة صغرى داخل السرب، وهذا لا بد، لأنه يحدد مكانه ونظام حركته وفق قوانين المجموعة الصغرى، وهذه المجموعة الصغرى لابد لها من قائد فرعي يخضع للنظام العام للمجموعة وينظم الحركة... وهكذا يتم التدرج في حركة ارتفاعية هرمية حتى نصل إلى عضو واحد هو محور حركة البنية... وعلينا أن نطلب من عالم البحار أن يدأب على الملاحظة حتى يتم تعيين هذا القائد محور الحركة ليدرسه في خصوصيته، ويدرس السرب لحظة الإنهيار أو فقدان المحرك الأساس لنقف على تخلخل البنية المكونة للنظام وبالتالي فالبنية الكبرى رغم تعقيدها هي بسيطة لأنها تقوم على أساس الإنقياد والتبعية... إن العلائق الرابطة ما هي إلى ولاء لبنية بسيطة مسيطرة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق